من جمعية إلى نقابة : أخلاقيات المهنة الصحفية في تونس الدكتور جمال الزرن – معهد الصحافة وعلوم الإخبار- تونس



وسائل الإعلام جزء من البيئة، ولا بدّ أن يُنظر إليها في إطار ثقافي مُحدّد للبلد (مُؤسساته، التركيبة الاجتماعية، تطوره التاريخي...). كما أنها عمليات تأويل ذهنية وتخيّلية للواقع، لأن ثمة علاقة مُتفاوتة الدرجات بين عمليات الانتاج الخيالية وغير الخيالية التي تُثير توقعات لدى المُشاهد، ولا سيما عن طريق الأسلوب الفني (أخبار، برامج من الواقع، دراما وثائقية، الخ...).
كما أن كل وسيلة إتصال سواء كانت تقليدية أوحديثة لها أدواتها ومواردها الخاصة بها (النص، الصورة، الصوت...) التي يُمكن تشبيهها باللغات الطبيعية، أما إستعمالاتها ووظائفها (التسلية، الاعلام، النقل...) فتحتاج إلى تقويم لتحديد أثرها بشكل علمي. من هنا فإن العلاقة بين الجمهور ووسائل الاتصال يُمكن أن تتخذ أشكالا مُختلفة، بدءا بالمواقف السلبية والايجابية، ومرورا بالتأثيرات وكيفية إستخدام هذه الوسائل. وهذا ما يُسمى "بالمعرفة الاعلامية"، فالمعرفة الاعلامية هي عملية تعليم وتعلّم عن وسائل الاتصال، وهي أيضا النتاج، أي المعلومات والمهارات التي يكتسبها المُتعلمون. ولا نقصد هنا "بالمُتعلمين" الاعلاميين فحسب، وإنما كل فرد يتمكن من قراءة وسائل الاتصال. لأنها تُمكنه أيضا كمُستعمل لهذه الوسائل من التفسير وإصدار أحكام مدروسة.
وقد أصبحت المعرفة الاعلامية ضرورة مُلحة في السنوات الأخيرة الماضية مع التطور السريع الذي طال مجال الاعلام والاتصال، ومن أبرزها:
- التطورات التكنولوجية: يرى البعض أن التطورات الالكترونية تقدم فرصا واسعة للمُستهلك. ويرى البعض الآخر، أن هذه الفرص تقتصرعلى التأثير في تلقي نتاج وسائل الاتصال.
- التطورات الاقتصادية: تغلبت وسائل الاعلام والاتصال التجارية على الوسائل التي تقدم خدمة عامة. حيث تبحث الشركات التجارية المُنتجة عن أسواق جديدة، وإستقطاب عدد أكبر من الجمهور. وسيطرت هذه الشركات على مجالات السياسة والصحة وحتى التعليم.
- التطورات الاجتماعية: يؤكد معظم الباحثين الاجتماعيين بأن العالم المُعاصر يزداد تشرذما وفردية مع إنتشار التقنيات الجديدة، ممّا أدّى في المُقابل إلى زيادة إهتمام الشركات المُنتجة بهذه الظاهرة. عن طريق إنتاج مواد إعلامية تلبّي إحتياجات الفئات المُتباينة في المُجتمع.
تأثرت البيئة الاعلامية بشكل مُباشر بهذه التطورات، ولن نغوص في سلبياتها وإيجابياتها، لأنها تحتاج إلى بحث مُعمّق ودقيق، يعتمد على إستنتاجات علمية، ولكن يبقى السؤال ما مدى إنعكاسات هذه التطورات على الممارسة الاعلامية بشكل عام، وأين نحن من الديمقراطية الحقيقية، وهل تنسجم بشكل عملي مع ما نصّت عليه معظم المواثيق الدولية وحتى العربية؟
لابد لنا في هذا المجال من إستعراض أبرز المواثيق التي تناولت قواعد المهنة.
تتعلق المسألة الديمقراطية بشكل أساسي بحق المواطن في المعرفة، والاطلاع والتعبير بحرية عن كل ما يحدث داخل المجتمع وخارجه. هذا ما نصت عليه معظم الدساتير والمواثيق الدولية والعربية، وأبرزها:
1- الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948، ولاسيما المادة 19 منه التي تنصّ على الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية إعتناق الآراء دون تدخل، وإستقاء الأخبار والأفكار وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية.
2- الاعلان الصادر عن اليونسكو عام 1948، ومن بنوده:
- ضمان حصول الجمهور على المعلومات عن طريق تنوع وسائل الاعلام
- تمتع الصحفيين بحرية الاعلام وتوفير أكبر التسهيلات لهم
- إشراك الجمهور في صنع الاعلام.
3- إعلان منظمة اليونسكو في 27-11-1978 حول إسهام وسائل الاعلام في دعم السلام والتفاهم الدولي وتعزيز حقوق الانسان ومكافحة العنصرية والفصل العنصري والتحريض على الحرب.
4- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أقرته الجمعية عام 1966 والذي يعلن المبادئ نفسها في مادته 19 ويدين في مادته 20: " التحريض على الحرب والمُناداة بالكراهية الوطنية أو العنصرية أو الدينية وجميع أشكال التمييز أو العداوة أو العنف".
منذ ذلك الوقت برز في العالم الغربي والعربي، العديد من المواثيق والتوصيات والتوجهات المُتعلقة بقضايا الاعلام الجديد، التي تنصّ على قواعد الالتزام المهني وطرق المُمارسة المهنية. ومن أبرز هذه الوثائق:
- إعلان Windhoek المُتعلق بوسائل الاعلام في أفريقيا 1991
- إعلان Santiago عام 1994
- إعلان الجمعية الدولية للصحفيين
- إعلان Munich
- الميثاق الكندي للحقوق والحريات 1982
- دليل أخلاق المهنة Quebec
- The BBC’S Values and Standards
- شرعة الصحفيين الفرنسيين
-مؤتمر Sofia 1997
- مؤتمر Toronto 1995
- مؤتمر خبراء الاعلام في العالم العربي في صنعاء عام 1996

وقد أكدت كل هذه المواثيق على إحترام سلوكيات وأخلاق المهنةعن طريق الالتزام بالقواعد التالية:
- إحترام الحقيقة مهما كانت نتائجها على الصحافي، لأن من حق الجمهور معرفتها
- الدفاع عن حرية الاعلام وحرية التعليق والنقد
- رفض كل أنواع الضغوطات، والامتناع عن تقاضي أي أجر مادي أو رشوة أو حتى قبول الهدايا
- الاحتفاظ بسرية المهنة
- ضرورة أن تمارس حرية الصحافة في إطار أخلاقيات المهنة، وأن تنقل وسائل الاعلام بأمانة وصدقية الأحداث والمعلومات.
تتطلب المُمارسة الاعلامية في مطلع القرن الواحد والعشرين تنمية الخلقية الاعلامية، خاصة في مجتمع مُتعدد الأديان، وتنمية الحس النقدي من خلال التربية الاعلامية لدى المواطنين الذين يُعانون من أمية إعلامية وهم عاجزون غالبا عن فك رموز الرسائل الاعلامية التي يتلقونها بكثافة. من هنا تبرزالحاجة لا للتأسيس لمفهوم جديد "للأخلاق الاعلامية"، وإنما الحاجة لتنمية "الُخلقية المهنية والاعلامية"، والتأسيس لثقافة إعلامية  قادرة على حماية الحريات من جهة، وتنظيم الأداء الاعلامي ضمن أطر وقواعد وأصول مهنية. والارتقاء بمستواه العملي والقيمي في خدمة حاجات المُجتمع.
صحيح أنه لا يُمكن لأي فرد في العالم أن يخدم في مُجتمع لا تسوده الحرية، ولا يمكن له أن يُنمّي مواهبه من دون حرية. فالحرية أفضل وسيلة للتعبير عن الذات وعن المُجتمع، وهي أيضا اعتراف بكرامة الانسان، الحرية هي حق للصحفي وخدمة للمجتمع ومؤسساته، فلا صيانة للحرية إلا بالحرية. وإذا كان من حق الصحفي أن يُمارس مهنته في مجتمع ترفرف عليه راية الحرية،عليه أن يتحرّر أولا  وأخيرا من كل ضغط خارجي وأن يتحرّر من الغير ليكون رأيه صادقا، مُحايدا وعادلا. ولا يكفي أن يُقدّم المُجتمع الحرية للصحفي كحق من حقوقه، بل عليه أيضا أن يحميه من ضغط المُغريات والفساد. لأن الصحفي قادر على المساهمة بشكل كبير في تكوين الانسان المدني وتنظيم بيئته.
أما على المستوى الاعلامي والمُمارسة الصحفية تعتبر الحرية أداة ووسيلة لقول الحقيقة كما هي، وليست كما يراها الصحفي، لأن من حق المواطن الاطلاع على كل ما يجري من حوله وفي العالم، كما من حقه تلقي المعلومات والحصول على المعرفة من دون قيد أو شرط. لأن الحرية باب للمعرفة بأبعادها المختلفة، السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والجغرافية، وليست نفقا لا يتسع إلا لما يراه الصحفي. وإذا كانت الحرية حقا من الحقوق الأساسية التي ينبغي أن يتمتع بها الصحافي، فهي في الوقت نفسه جوهر الأخلاق المهنية.
ويقصد بالأخلاق الاعلامية المعايير والأصول الأخلاقية المهنية، التي   سيعتمدها الاعلاميون ووسائل الاعلام أثناء التعامل مع قضايا المجتمع.
أما  الأفرقاء المعنيون بتنفيذ الأخلاقيات فهم صانعو الرسالة الاعلامية ، المؤسسات الاعلامية، المعلنون والمؤسسات الاعلانية، أي فريق يقوم بأي عمل ذي صفة إعلامية أو إعلانية .
ولا يُمكن للمُمارسة الاعلامية أن تكون بعيدة عن مفهوم "الاعلام الجديد" الذي يُمكن تحديده بأنه إطار تفاعلي يشمل وسائل الاتصال والعمليات الاتصالية التي تتم عبر وسائل الاتصال الجماهيري سواء بين الدول أم الشعوب.
ويتضمن المفهوم المُقترح للاعلام الجديد ثلاثة أبعاد رئيسية هي:
1-البُعد الاتصالي: ونعني به العمليات الاتصالية التي تتم عبر وسائل الاتصال الجماهيري، وما تقدمه من رسائل ومضامين إتصالية
2-البُعد الدولي: تجري العمليات الاتصالية والتفاعلات بين دول وشعوب تنتمي إلى دول تربطها علاقات دولية، رغم ما بينها من خصوصيات تاريخية، ثقافية، إجتماعية، إقتصادية وسياسية.
3-البُعد الثقافي: هنا لابد من التمييز ما بين الاعلام في العالم الغربي والعالم العربي، فالاعلام العربي مثلا يتفاعل مع الثقافة العربية،حيث تجري عمليات الاتصال عن طريق اللغة العربية ورموز وعلامات الثقافة العربية.
فالأسلوب الذي ينهجه العالم الغربي في موضوع الاعلام يُترجم من خلال إمتلاك الوسائل ودمجها داخل تكتلات إقتصادية قوية تستطيع تمويلها، كما أن بعض المؤسسات المالية التي لاتعمل في مجال الاعلام تسعى لامتلاك بعض المؤسسات الاعلامية، وبالتالي تستطيع أن تحدّد نوعية الأفكار التي تنشرها تلك المؤسسات الاعلامية، وقد نتج عن ذلك سيطرة الأولى على المضمون الاعلامي التي تبثه الأخرى، خاصة بعد التطور التكنولوجي السريع منذ العام 1985.
ولكن من المُسلم به أن وسائل الاعلام في ظل أي نظام سياسي وإقتصادي كان، تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة لتأمين عملية الاتصال. ففي الأنظمة الديمقراطية بات الاعلام والنتاج الاعلامي بكامله في قبضة أصحاب الشركات المالية الكبرى ورجال الأعمال الذين تحوّلوا إلى أصحاب سلطة حقيقية. حيث تتحول العملية الاعلامية في هذا المجال إلى ناطق رسمي بإسم هذه الجهات، وبما يتوافق مع أهدافها ومصالحها الخاصة.
إزاء هذا الواقع فإن المُمارسة المهنية تقع ما بين الديمقراطية والديماغوجية والمسافة التي تفصل بين الاثنين ليست كبيرة. إذ تلعب الصحافة بجميع وسائلها دورا إيجابيا عندما تساهم في نقل المعرفة بأنواعها إلى جمهورها، أي مواطنيها، على قاعدة حرية التعبير وإبداء الرأي. ولكن يُمكنها أيضا، أن تكون الأداة الأسوأ، عندما تساهم في تشويه الحقيقة وحتى تغييرها، لأسباب، إما سياسية، اجتماعية أو غيرها. والأمثلة كثيرة في هذا المجال. ويُمكن أن نسلط الضوء على الدورين الايجابي والسلبي لوسائل الاعلام من خلال مثلين مُتناقضين.
الأول في العودة الى الماضي، لعبت الصحافة المكتوبة في فرنسا، دورا أساسيا وإيجابيا بشأن دعوى قضائية، حيث تمكنت من تغيير مجرى التحقيق، وذلك على أثر إفتتاحية صحفية بعنوان "J’accuse " تضمّنت وثائق تثبت براءة المتهم، وتمكنت من  تجنيد الرأي العام، وتحويل الحكم لصالح المُتهم.
أما الثاني، يُظهر الدور السلبي الذي تلعبه وسائل الاعلام، وبخاصة المرئية-المسموعة، كالتغطية الاعلامية لحرب الخليج، عندما تفرّدت محطة الِCNN بإحتكارالأحداث وإختيارالصور التي تناسب توجهاتها السياسية. وهذا ما ينطبق أيضا على صحافة الفضائح التي تتناول حياة المشاهير الشخصية.
بالنسبة للباحث الفرنسي Patrick Champagne ، إن الصحفيين بشكل عام، وصحفيي التلفزيون بشكل خاص قادرون على صنع الأحداث الاجتماعية، وتقديمها وفقا لسياسة الوسيلة الاعلامية التي يعملون فيها، ووفقا لمعاييرهم الخاصة. وهذا ما حدث من خلال التغطية الاعلامية سنة 1990 للأحداث التي جرت في إحدى المدن الفرنسية  التي تعاني من الاهمال الاجتماعي، فبدلا من مُعالجة الموضوع من زاوية إنسانية وإجتماعية تبرز مُعاناة سكان هذه المدينة وما يتعرضون له من إهمال، مُتجاهلين السبب الحقيقي الذي أدى إلى التظاهر، والذي كان سببه مقتل أحد الشبان عند نقطة تفتيش أمنية. تمّ التركيز في الخبر التلفزيوني على أعمال الشغب التي قام بها الشبان خلال المظاهرات، ولعبت الصور المُتلفزة دورا رئيسيا في التأثير على الُمُشاهدين وتحويلهم إلى مُستنكرين لأعمال الشغب. وهدا ما يُؤكد العلاقة المُباشرة بين صناعة الحدث وآلية تكوين رأي الجمهور.
وإذا كان الاهتمام ينصب على وسائل الاتصال المرئية- المسموعة أكثر من غيرها من الوسائل ، وذلك يعود إلى عنصرين رئيسيين: أولهما يتعلق بالتقنيات الجديدة التي سيطرت على هذا القطاع، وخصوصا على مستوى الصورة، وقدرتها على التأثير. وثانيهما يتعلق بطريقة إعداد الجمهور، حيث حوّل انتشار الفضائيات المشاهدين من مختلف الشرائح الاجتماعية والثقافية رغم تفاوتهم وتباينهم إلى مُستهلكين حقيقيين لنفس المضامين الاتصالية. وباتت ردود الفعل مُتجانسة في أكثر الأحيان. وهذا يقودنا الى التساؤل هل مازال الاعلام إعلاما في القرن الواحد والعشرين، وهل تمارس الحرية وفقا لما نصت عليها المواثيق الدولية؟